ابن حزم
152
رسائل ابن حزم الأندلسي
يقولون : بياض كثير وبياض قليل ، فذلك ظن فاسد لأنه إنما يعني بذلك سعة سطح الجرم الحامل للون أو ضيقه وقلة ذرعه ، وإنما « 1 » الكمية هاهنا لمساحة الجرم الحامل كما قدمنا قبل ، وكذلك أيضا من قال : عمل كثير أو طويل ، فإنما ذلك لكثرة الزمان وطوله . وليس للكمية ضد البتة : ليس للذراع ضد ، ولا للشبر ضد ، وكذلك سائر مقادير الكمية . وكذلك من ظن أن الكثير ضد للقليل ، والكبير ضد للصغير فظنه فاسد ، وإنما ذلك من باب الإضافة ، إذ ليس في العالم شيء كبير بذاته ، ولا صغير بذاته ، وإنما الكبير كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه ، والصغير صغير بالإضافة إلى ما هو أكبر منه . ألا ترى أن حبة الخردل « 2 » كبيرة بالإضافة إلى الصؤابة وإلى طحن الخردلة ، وكذلك الأرض صغيرة بالإضافة إلى الفلك ، ولا جزء وإن دقّ إلا ومتوهّم [ 22 ظ ] أدق منه . وكذلك الفلك الأعلى الذي لا شيء بالفعل أكبر منه ، فالمتوهم « 3 » في قوة الخالق تعالى الزيادة فيه ، وإحداث ما هو أعظم منه . وقد نقول : جبل صغير ، وخردلة كبيرة بالإضافة إلى جبل أكبر منه ، وبالإضافة إلى خردلة أخرى أصغر منها ، فلو كان الصغير ضدا للكبير لكان الشيء ضدا لنفسه لأنه كبير من جهة صغير من أخرى ، وهذا محال . وهكذا القول في القليل والكثير ، ولا فرق ، فإن المائة قليل بالإضافة إلى الألف ، وكثير بالإضافة إلى العشرة ، وهكذا كل عدد فمتوهم الزيادة عليه « 4 » أبدا . إلا أن كل ما خرج منه إلى الفعل فمتناه أبدا . ولو كان عشرة في مدينة لكان ذلك عددا قليلا جدا ، فلو كانوا مع رجل وامرأة « 5 » في بيت لكانوا عددا كثيرا جدا ، وكذلك لو كانوا بنيه . واعلم أن الكثير والقليل والطويل والقصير والكبير والصغير والعظيم والحقير والجليل والدقيق والضخم والضئيل والغليظ والرقيق والجسيم « 6 » واليسير والتافه والنزر كل
--> ( 1 ) م : فإنما . ( 2 ) م : الخردلة . ( 3 ) م : فمتوهم . ( 4 ) تكررت لفظة « الزيادة » بعد « عليه » في م . ( 5 ) م : وامرأته . ( 6 ) م : والضخم والغليظ والضئيل . . . والجم .